الجصاص

312

أحكام القرآن

الهدي فمنعه ذلك من الإحلال ومضى على حجته . قيل له : لا يجوز أن يكون المراد به طواف القدوم من وجوه ، أحدها : أنه مأمور به عقيب الذبح ، وذبح الهدي إنما يكون يوم النحر لأنه قال : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ) ، وحقيقة " ثم " للترتيب والتراخي ، وطواف القدوم مفعول قبل يوم النحر ، فثبت أنه لم يرد به طواف القدوم . والوجه الثاني : أن قوله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) هو أمر والأمر على الوجوب حتى تقوم دلالة الندب ، وطواف القدوم غير واجب ، وفي صرف المعنى إليه صرف للكلام عن حقيقته . والثالث : أنه لو كان المراد الطواف الذي أمر به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدموا مكة لكان منسوخا ، لأن ذلك الطواف إنما أمروا به لفسخ الحج وذلك منسوخ بقوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) [ البقرة : 196 ] ، وبما روى ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله أرأيت فسخ حجتنا لنا خاصة أم للناس عامة ؟ قال : " بل لكم خاصة " . وروي عن عمر وعثمان وأبي ذر وغيرهم مثل ذلك . وقال ابن عباس : " لا يطوف الحاج للقدوم وإنه إن طاف قبل عرفة صارت حجته عمرة " وكان يحتج بقوله : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) ، فذهب إلى أنه يحل بالطواف فعله قبل عرفة أو بعده ، فكان ابن عباس يذهب إلى أن هذا الحكم باق لم ينسخ وأن فسخ الحج قبل تمامه جائز بأن يطوف قبل الوقوف بعرفة فيصير حجه عمرة . وقد ثبت بظاهر قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) نسخه ، وهذا معنى ما أراده عمر بن الخطاب بقوله : " متعتان كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج " ، وذهب فيه إلى ظاهر هذه الآية وإلى ما علمه من توقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم على أن فسخ الحج كان لهم خاصة ، وإذا ثبت أن ذلك منسوخ لم يجز تأويل قوله تعالى : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) عليه ، فثبت بما وصفنا أن المراد طواف الزيارة . وفيه الدلالة على وجوب تقديمه قبل مضي أيام النحر ، إذ كان الأمر على الفور حتى تقوم الدلالة على جواز التأخير ، ولا خلاف في إباحة تأخيره إلى آخر أيام النحر ، وقد روى سفيان الثوري وغيره عن أفلح بن حميد عن أبيه : " أنه حج مع ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو أيوب ، فلما كان يوم النحر لم يزر أحد منهم البيت إلى يوم النفر إلا رجالا كانت معهم نساء فتعجلوا " ، وإنما أراد بذلك عندنا النفر الأول ، وهو اليوم الثالث من يوم النحر ، فلو خلينا وظاهر الآية لما جاز تأخير الطواف عن يوم النحر ، إلا أنه لما اتفق السلف وفقهاء الأمصار على إباحة تأخيره إلى اليوم الثالث من أيام النحر